حيدر حب الله

216

شمول الشريعة

وهذا يعني أنّنا أمام تفسيرين : ( ما يحتاج الناس إليه في نفسه ) و ( ما يحتاج الناس إلى الدين فيه ) ، فأيّ من المعنيين أقرب للنصوص السابقة ؟ الظاهر أنّ المعنى الأوّل هو الأقرب في أغلب النصوص ؛ لعدم وجود تقييد إضافي فيها يفرض التصوّر الثاني ، لكن مع ذلك لا يصحّ الاستدلال بهذه النصوص على ما نحن فيه ، ويمكن طرح وجهين هنا : الوجه الأوّل : إنّ هذا لا يجري في المباحات غير الاقتضائيّة ( لو لم نقل بذلك حتى في مطلق المباحات بالمعنى الأعمّ ) ؛ لأنّ موردها ممّا لا يُحتاج فيه حتى لمعرفة الإباحة ؛ لأنّ الجري على وفق الإباحة في هذه الموارد لا مصلحة فيه في نفسه ولا حاجة إليه ، ومعه لا يوجد ما يفرض أنّ الشريعة اشتملت على بيان كلّ الوقائع . إلا أنّ هذا الوجه وإن كان صحيحاً في نفسه ، غير أنّه ليس بنافع ؛ وذلك أنّ تخصيص الخارج عن دائرة الموجود في الشريعة بالمباح غير الاقتضائي ، كافٍ في نفسه لمعرفة كون موارد هذا المباح مباحة في لوح الواقع ومطلقاً ، وهذا كافٍ في المنع عن التصدّي لجعل القوانين والإلزامات فيها ؛ لأنّه خلاف مقتضيات لوح الواقع الأخلاقي والقانوني ، ومن ثمّ فهذا الوجه يمكنه نفي قاعدة نفي الخلوّ بالمعنى المتداول لها ؛ لكنّه غير قادر على توفير الشرعيّة لمرجعيّةٍ قانونيّة إلزاميّة أخرى في حياة البشر كالعقل والتجربة الإنسانيّة ، وقد سبق أن ذكرنا مطلع هذا الكتاب سلسلةً من الصيغ التي يمكن تصوير الشموليّة التشريعيّة بها . الوجه الثاني : إنّنا لا نعرف كلّ الأشياء التي نحن بحاجة إليها ، وهذا ما يفتح على احتماليّة حاجتنا للتصدّي لسنّ بعض القوانين في بعض المساحات في بعض الأزمنة والظروف ، وهذه الحاجة ربما تكون أعظم من الحاجة لمعرفة مباشرة بالموقف العملي المباشر ، ومع تزاحم الحاجات تنسب الحاجة الحقيقة للحاجة الأقوى والأعظم عادةً . معنى هذه الفكرة أنّ الدين والشريعة عندما لاحظوا حياة الإنسان وحاجاته ، فمن الممكن أنّهم اطّلعوا على حاجة عميقة لديه لتحقيقه الكمال بل ولاستمراريّة الشريعة نفسها التي يفترض أنّه بحاجة إليها ، وهي حاجة تحمّل مسؤوليّة التقنين ووضع النظم ضمن إطار الدين ، ومن ثمّ فأيّ مانع من أن يكون هناك مساحة هي حاجة الإنسان لممارسة هذا الدور في الحياة في هدي أصول الشريعة وقيمها ، فلو كانت النصوص الواقعيّة تستوعب بيان كلّ ما نحتاجه ،